خطورة الإشاعات في زمن التكنولوجيا

 

 
كتب :  د. احمد فتحي محمد قاسم 
 
معنى الإشاعة: 
 
يقال:  شاعَ الشيء شيوعًا ومشاعًا: ظهر وانتشَر، ويُقال: شاعَ بالشَّيء؛ أي: أذاعه.
والإشاعة هي: الخبر يَنتشِر غير مُتثبَّت منه, قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النور: 199]؛ قال ابن كثير: "أي: يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح. 
 
ومِن التعريفات للإشاعة أنها هي: "الأحاديث والأقوال والأخبار التي يَتناقلُها الناس، والقَصص التي يَروونها، دون التثبُّت مِن صحَّتها، أو التحقُّق مِن صِدقِها". 
آثارها على الفرد والمجتمع:
تؤثِّر الإشاعة على سَعادة الفرد وأمنِه النفسي.
 
تؤثِّر على الأسرة : فكم من أسر تفكَّكتْ مِن جرَّاء هذه الإشاعات، وكم مِن بيوت هدِّمت، وكم من أموال ضيِّعت، وأطفال شُرِّدت؛ كل ذلك مِن أجل إشاعة من مُنافقٍ أو كذَّاب، أخرج أبو داود والترمذيُّ وابن حبَّان في صحيحه، وقال الترمذي: "حديث صحيح"، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((ألا أُخبركم بأفضل مِن درجة الصيام والصلاة والصدقة؟)) قالوا: "بلى يا رسول الله"، قال: ((إصلاح ذات البَين؛ فإن إفساد ذات البين هي الحالقة))، وفي بعض الروايات قال: ((هي الحالِقة، لا أقول: تَحلِق الشَّعر؛ ولكن تَحلِق الدِّين )). 
 
تؤثِّر على العلاقات والوشائج بين أفراد المجتمع الواحد: إن الله - عز وجل - وضع أسسًا ومعاييرَ لإقامة المجتمع، ومِن هذه الأُسس والمعايير أن تَسُود روح الحبِّ والأُخوَّة والسلام بين أفراد المجتمَع؛ فـ(( المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يَخذله، ولا يُسلمه))، و((المؤمن للمؤمن كالبُنيان؛ يشدُّ بعضه بعضًا))، و((مثَلُ المؤمنين في تراحمهم وتعاطُفِهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى))، هذه هي الروح التي أراد الإسلام أن يبثَّها في أتباعه، أما أن تنشأ العلاقات على الفُرقة والتنازُع والاختِلاف والإفساد بين الناس، فهذا ما حاربه الإسلام، والإشاعة سبب رئيسي لبثِّ هذه الأخلاق المذمومة التي نهى عنها الإسلام: 
 
معالجة الاشاعة :
لقد عالج الإسلام قضية الإشاعة عن طريق ثلاث نقاط:
 
أ‌- النقطة الأولى: التثبت. 
 
ب‌- النقطة الثانية: الناقل للإشاعة من الفاسقين. 
 
ت‌- النقطة الثالثة: التفكر في عواقب الإشاعة. 
 
أ - النقطة الأولى: التثبت: 
يقول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...) و في قراءة أخرى ( فتثبتوا ). فأمر الله بالتبين و التثبت، لأنه لا يحل للمسلم أن يبث خبرا دون أن يكون متأكدا من صحته. 
 
و التثبت له طرق كثيرة؛ فمنها : 
 
أ- إرجاع الأمر لأهل الاختصاص: يقول الله تعالى: ( و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به و لو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) , فكم من إشاعة كان بالمكان تلافي شرها بسؤال أهل الاختصاص. 
 
ب- التفكر في محتوى الإشاعة: قال سبحانه: ( إذ تلقونه بألسنتكم و تقولون بأفواهكم ما ليس به علم ).
 
انظر يا أخي: ( إذ تلقونه بألسنتكم ) أنه من البديهي أن الإنسان يتلقى الأخبار بسمعه لا بلسانه، ويمرر الأخبار على عقله ويتأمل بها ويتدبر فيها, ثم بعد ذلك يتكلم, لكن الذي يتحدث بالإشاعات أداة التلقي عنده اللسان ( تلقونه بألسنتكم ), وبعدها ينشر الأخبار دون تمريرها على العقل والتفكر  ( وتقولون بافواهكم )  
ب‌- النقطة الثانية: الناقل للإشاعة من الفاسقين. 
 
في الآية السابقة يقول الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...) فجعل الله من نقل الخبر دون تثبت من الفاسقين. فمجرد نقل الأخبار دون التأكد من صحتها موجب للفسق؛ و ذلك لان هذه الأخبار ليس كلها صحيح، بل فيها الصحيح و الكاذب، فكان من نقل كل خبر و أشاعه؛ داخل في نقل الكذب، لذا جعله الله من الفاسقين. و قد صرح النبي بذلك ففي صحيح مسلم : ( كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع ). فالمؤمن لابد له من الحذر في أن يكون عند الله من الفاسقين( الكاذبين ). و كفى - و الله - بذلك كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب. 
 
ث‌- النقطة الثالثة: التفكر في عواقب الإشاعة: عودة مرة ثالثة للآية السابقة في سورة الحجرات يقول الله تعالى: ( أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين )