الملك يكلف الدكتور عمر الرزاز بتشكيل حكومة جديدة

 كلف جلالة الملك عبدالله الثاني الدكتور عمر الرزاز بتشكيل حكومة جديدة، خلفا لحكومة الدكتور هاني الملقي، التي قبل جلالته استقالتها يوم أمس الاثنين.

وفيما يلي نص كتاب التكليف: بسم الله الرحمن الرحيم عزيزنا دولة الأخ الدكتور عمر الرزاز حفظه الله، تحية طيبة وبعد، أبعث إليك بتحية أردنية عربية هاشمية، ملؤها الفخر والاعتزاز بما سطّره الأردنيون، عبر الأيام الماضية، من ممارسة راشدة للمواطنة الفاعلة وأداء وطني متفان من الأجهزة الأمنية، تكللتها مشاعر الأمل بأن الأسرة الأردنية الواحدة قادرة على تجاوز الصعاب يدا بيد، والنهوض نحو حاضر أفضل وغد مشرق.

لقد عرفتك رجلا وطنيا قريبا من الشعب والشباب خاصة، وصاحب رؤية وبصمة في كل مواقع المسؤولية التي شغلتها في عدد من المؤسسات الأردنية الرائدة. وتحصَّلت على خبرة وطنية وعالمية عميقة، ستكون بإذن الله وتوفيقه عونا لك في المسؤولية الوطنية الكبيرة التي تنتظرك.

أمّا وقد قَبِلنا استقالة حكومة دولة الأخ الدكتور هاني الملقي، فإننا نعهد إليك بتشكيل حكومة جديدة تنهض بالمسؤوليات الوطنية الكبيرة في هذا الظرف الدقيق وتستكمل مسيرة الإصلاح والبناء والتطوير.

وأوجهكم، وأنتم تَنْبَرون لهذه المهمة الوطنية، لإطلاق مشروع نهضة وطني شامل، قوامه تمكين الأردنيين من تحفيز طاقاتهم، ورسم أحلامهم والسعي لتحقيقها، وتلبية احتياجاتهم عبر خدمات نوعية، وجهاز حكومي رشيق وكفؤ، ومنظومة أمان اجتماعي تحمي الضعيف في ظل بيئة ضريبية عادلة. ولتحقيق ذلك، أضع أمامكم جملة من الأولويات والثوابت، لتكون نبراسا في العمل والتواصل مع شعبنا الأردني الأبي: إن التحدي الرئيس الذي يقف في وجه تحقيق أحلام وطموحات الشباب الأردني هو تباطؤ النمو الاقتصادي، وما نجم عنه من تراجع في فرص العمل خاصة لدى الشباب. وعليه، فإن أولوية حكومتكم يجب أن تكون إطلاق طاقات الاقتصاد الأردني وتحفيزه ليستعيد إمكانيته على النمو والمنافسة وتوفير فرص العمل.

ومما لا شك فيه أن هناك أمورا أساسية تعيق تنافسية اقتصادنا وتحد من إمكانيته، وعلى رأسها ارتفاع التكاليف التشغيلية والإجراءات البيروقراطية المعيقة. وبالرغم من أن معالجة هذه المعيقات، في ظل الوضع المالي الراهن يشكل تحديا صعبا، إلا أنه يتوجب على حكومتكم البحث عن حلول خلاقة ضمن برنامج عمل مُحكَم.

وعلى الحكومة أن تطلق فورا حوارا بالتنسيق مع مجلس الأمة بمشاركة الأحزاب والنقابات ومختلف مؤسسات المجتمع المدني، لإنجاز مشروع قانون ضريبة الدخل الذي يعد تشريعا اقتصاديا واجتماعيا مفصليا. إذ إن بلورة مشروع قانون ضريبة الدخل هو خطوة ومدخل للعبور نحو نهج اقتصادي واجتماعي جديد، جوهره تحقيق النمو والعدالة.

وعليه، فإن على الحكومة أن تقوم بمراجعة شاملة للمنظومة الضريبية والعبء الضريبي بشكل متكامل، ينأى عن الاستمرار بفرض ضرائب استهلاكية غير مباشرة وغير عادلة لا تحقق العدالة والتوازن بين دخل الفقير والغني، ويرسم شكل العلاقة بين المواطن ودولته في عقد اجتماعي واضح المعالم من حيث الحقوق والواجبات.

إن الضغوطات التي يواجهها الأردن، يجب أن تكون حافزاً للارتقاء بنوعية الخدمات وليس عذرا لتراجعها. إن فرض الضرائب وتوفير خدمات نوعية أمران متلازمان. فأنا لا أقبل من مؤسساتنا إلا أن تقدم أعلى مستويات الخدمة. فلا بد لتعليمنا من بناء مستقبل مشرق لأبنائنا وبناتنا في بيئة تعليمية آمنة، ولا بد لمنظومة الرعاية الصحية من احترام إنسانية مرضانا وتقديم أعلى مستويات الرعاية الطبية، التي كنا وما زلنا السباقين فيها. ومن غير المقبول أن يستمر أهلنا في المعاناة للوصول إلى أعمالهم وجامعاتهم، نتيجة غياب شبكات نقل عام حضاري في شتى محافظاتنا. وحضارة الأمم تتجلى في احتضانها ورعايتها لأضعف أبنائها، فلا بد من توفير شبكات الأمان الاجتماعي لغوث الفقير من أهلنا.

وعلى الحكومة أن تضع الإصلاح الإداري والنهوض بأداء الجهاز الحكومي على رأس أولوياتها واعتباره مصلحة وطنية عليا؛ فلا مجال لأي تهاون مع موظف مقصر أو مسؤول يعيق الاستثمار بتعقيدات بيروقراطية أو تباطؤ يضيع فرص العمل على شبابنا والنمو لاقتصادنا. ولا تردد في محاسبة مسؤول لا يعمل لخدمة وراحة المراجعين لمختلف مرافق وخدمات الدولة أو لا يراعي في مالنا العام ذمة ولا ضميرا. وفي هذا الإطار، على الحكومة الإسراع بإنجاز مشروع الحكومة الإلكترونية للارتقاء بنوعية الخدمات، والتخلص من البيروقراطية وضبط الإنفاق الحكومي بكل حزم.

لقد تحمل الأردن عبر السنوات الماضية ما تنوء عن حمله أكبر وأقوى الدول. إن الظرف الاقتصادي الصعب الذي نمر به ليس وليد اللحظة. بل هو نتيجة تراكم ظروف ضاغطة، جلّها خارجية وبفعل غياب الاستقرار في الإقليم، وتتركز في ارتفاع فاتورة الطاقة إثر انقطاع الغاز المصري، والتراجع الحاد في صادراتنا بسبب إغلاق حدود بعض الدول المجاورة إثر التحديات الأمنية التي تواجهها، والكلفة المالية للجهود الأمنية الضرورية لحماية كل شبر من تراب الوطن.

إن القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، وجميع الأجهزة الأمنية الأردنية تثبت كل يوم بعطائها الموصول أنها الحامية لمسيرة البناء والإنجاز وسد منيع في وجه الحاقدين. وهي تستحق منا جميعا التقدير والعرفان. وستلتزم الدولة بكل مؤسساتها بدعمها وتمكينها لتستمر في أدائها المميز.

إن الحكومة مطالبة أيضاً بمواصلة مسيرة الإصلاح السياسي والبناء على ما تم إنجازه في الأعوام السابقة؛ وهنا لا بد من إعادة النظر في التشريعات الناظمة للحياة السياسية بما يعزز من دور الأحزاب ويمكنها من الوصول إلى مجلس النواب. ولا بد من دعم مجالس المحافظات والمجالس البلدية وتمكينها من القيام بواجباتها بشكل ينعكس على المواطن في محافظات وطننا الحبيب.

إن الحوار والتواصل وبناء التوافق هو من أهم الأدوات التي على الحكومة أن ترتكز إليها في انفتاحها وتواصلها مع السلطات الأخرى ومع المواطنين. فعلى الحكومة أن تستمع للمواطنين وتشرح، بكل شفافية وموضوعية، الآثار العميقة التي خلفتها وتخلفها الظروف الاقتصادية الصعبة التي مررنا ونمر بها، لأن فهم الواقع هو المفتاح لبلورة أي إجراءات أو تشريعات ضرورية لتجاوز الظرف الاقتصادي الصعب.

عزيزنا دولة الأخ، إن ما سبق يمثل عناصر الرؤية الضرورية للتعامل السريع والفاعل مع التحديات الحالية الضاغطة، وتجاوز الوضع الحالي الصعب، وهي تتكامل مع العديد من التوجيهات التي لطالما أكدت عليها في عدة مناسبات ومنابر وطنية بهدف النهوض بوطننا وخدمة مواطننا.

واستناداً إلى ما عهدناه فيك من خبرة ورؤية، وما نتوسمه فيك من تواصل فاعل وصادق مع المواطنين، فإننا بانتظار تنسيبك بأسماء زملائك وزميلاتك الوزراء، بعد إجراء المشاورات الضرورية لاختيار أصحاب الكفاءة والخبرة والمسؤولية ممن سيشاركونك حمل الأمانة في هذه المرحلة الوطنية الدقيقة، وستجد مني وزملاؤك الوزراء كل الدعم والمؤازرة.

سائلاً المولى عز وجل أن يوفقكم ويعينكم على النهوض بأمانة المسؤولية، وخدمة شعبنا الوفي ووطننا الحبيب، ليبقى الأردن سندا لأمته العربية والإسلامية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عبدالله الثاني ابن الحسين عمّان في 20 رمضان 1439 هجرية الموافق 5 حزيران 2018 ميلادية".